محمد متولي الشعراوي
9609
تفسير الشعراوي
{ وَعَلَّمْنَاهُ . . . } [ الأنبياء : 80 ] العِلْم نقل قضية مفيدة في الوجود من عالم بها إلى جاهل بها ، والإنسان دائماً في حجة إلى معرفة وتعلُّم ، لأنه خليفة الله في الأرض ، ولن يؤدي هذه المهمة إلا بحركة واسعة بين الناس ، هذه الحركة تحتاج إلى فَهْم ومعرفة وتفاعل وتبادل معارف وثقافات ، فمثلاً تشكيل الحديد يحتاج إلى تسخين حتى يصير لَيِّناً قابلاً للتشكيل ، الماء لا بُدَّ أنْ نغليَه لكذا وكذا . . إلخ . وقضايا العلم التي تحتاجها حركة الإنسان في الأرض نوعان : نوع لم يأمن الله فيه الخَلْق على أنفسهم ، فجاء من الله بالوحي ، حتى لا يكون للعقل مجال فيه ، ولا تختلف حوله الأهواء والرغبات ، وهذا هو المنهج الذي نزل يقول لك : افعل كذا ، ولا تفعل كذا . لكن الأمور التي لا تختلف فيها الأهواء ، بل تحاول أن تلتقي عليها وتتسابق إليها ، وربما يسرق بعضهم من بعض ، هذه الأمور تركها الحق - سبحانه - لعمل العقول وطموحاتها ، وقد يلهم فيها بالخاطر أو بالتعلم ، ولو من الأدنى كما تعلَّم ابن آدم ( قابيل ) من الغراب ، كيف يواري سوأة أخيه ، فقال سبحانه : { فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ . . . } [ المائدة : 31 ] . والقضية العلمية قد يكون لها مقدمات في الكون حين نُعمِل فيها العقل ، ونُرتِّب بعض الظواهر على بعض ، نتوصل منها إلى حقائق علمية ، وقد تأتي القضية العلمية بالتجربة ، أو بالخاطر يقذفه الله في قَلْب الإنسان . فقوله تعالى : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ . . . } [ الأنبياء : 80 ] يصح أن نقول : كان هذا التعليم بالوحي ، أو بالتجربة أو الإلقاء في الرَّوْع ، وهذه الصنعة لم تكن معروفة قبل داود عليه السلام .